في رثاء سيدة وادي السلام

نشر في : 2018.01.27 - 7:59 مساءً | أخر تحديث : السبت 27 يناير 2018 - 7:59 مساءً
شــارك
في رثاء سيدة وادي السلام

سعد الاوسي

*منذ سكنته , يقولون ان السلام يزيد في وادي السلام

على غير عادتها في النوم , تأخرت سيدتي هذه الليلة
أسلمت نفسها لنعاس طويل
قال الأطباء :
لم نجرؤ على ايقاظها حين راينا حشدا من الملائكة يحرس رقدتها ويكف تعب الدنيا عن عينيها المغمضتين
قالت لي على باب غرفة العمليات وهي ترى قلبي ينتفض من دقات خوفه عليها :
لا تقلق يا حبيبي فسوف اخرج من هنا بخير !!!
ولم اكن اعلم انها ترى في نومها الأخير ذلك الخير الذي وعدتني انها ستكونه !!
غافلتني بموتها
سرقت روحها مني , ولم ترجع اليّ
انا الذي لم اصدق أحدا في الدنيا قدر ما صدقتها , تمنيت لو انني كذبتها هذه المرة , ولم ادعها تدخل غرفة العمليات
كنت ساتعلق بيديها , ككل مرة تعلقت بها حين كنت صغيرا
لعل الموت حين يراني كذلك يرحم لهفتي وحزني المذبوح القلب
ليس في البكاء متسع لمثلك يا أم روحي
ما تزال صورتك ملتصقة في اجفاني لذلك يراك الناس متواترة كحديث نبوي شريف في شلال دموعي المنهمرة التي تعجز عن جمعها انهار الجنة .

*

على أبواب المطارات في المدن الكثيرة التي تغربت فيها , كنت انتظرك لارى شمس فوطتك البيضاء المقدسة وهي تشرق من بين الاف القادمين وتنادي عليّ : اشتقت اليك ياسعد , يا روحي التي تغيب في المسافات البعيدة
كنت تحملين في حقيبة صوغاتك وجه الوطن وعطر ترابه الإلهي الذي ليس كمثله في الأرض او في السماء
بغيابك ابتدأت غربتي حقا يا أم روحي
واكتملت الان فجيعتي في غربتين ووطنين
وطن غادرته مرغما
ووطن غادرني مرغما

*

أيها الموت , يا قاسي القلب
لماذا تأخذ الأمهات ؟؟!!
لماذا لا يصدر الله عفوا عاما من الموت عن جميع الأمهات كي يبقين معنا حتى الرحيل الأخير؟!
او على الأقل ليفتح باب التبرع كي نقاسمهن اعمارنا كي نضمن اننا نعيش معا ونموت معا

*

بعد رحيل والدي الى ابديته , قالت لي ذات مرة وانا اقبل شعرها الابيض الذي كلون الفضة في شبابها :
ياسعد , حين تزوجني ابوك كنا نعيش في قرية الدبلة البعيدة عن المدينة (( الحلة ))…, ولم يزفوني اليه بموكب سيارات ومحتفلين كما يزفون عرائس المدينة , وماتزال حتى الان طيوف فرح الزفة التي تمنيتها في خاطري ذكرى بعيدة لا تعود .
اسمع ياولد , اذا اردت ان ارضى عنك فعليك ان تزفني في موتي اليه , بموكب ومحتفلين , وتأكد انه سيكون هناك على باب الرحمة بانتظاري لتحتف بنا الملائكة .
لذلك كنت مصرا في رحلتها الأخيرة من مطار بغداد الدولي الى مطار الجنة بوادي السلام ان أزفها بموكب كبير , وبكامل مراسيم الهيبة التي تليق بها كي تقول لابي ان ابنك وفى عنك دينك.

*

قالت لها اختي الكبري وهي تغسل شعرها الذي كلون الفضة في شبابها , على دكة المغيسل : هل رضيت عن زفتك يا أم سعد ؟
لقد اوصاني حبيبك ان اسألك هل وفاك الوعد , وهل ابرأته الذمة ؟؟
وتقسم أختي انها سمعت همستها وشبه إشارة فرح ورضا من رأسها تقول نعم

*

كنت أخاف كثيرا من فكرة ان يمر اسم الموت ولو خطفا في خاطري عليها
كنت اريدها ابدية لا تزول من الدنيا , لان مثلها ضمان من السماء ان يظل الخير في الدنيا ولا تنقطع الرحمة عن اهل الأرض
لكنني وعدتها مخادعا حلمها , بزفاف الى الموت في موكب طويل واكاليل دموع تليق بجلال رحيلها وقداسة لحظة دخولها الى جنة وادي السلام .
لكنني نسيت ان اسالها متى تعود
لا اصدق انها ستتركني وحيدا هكذا في انتظار عودتها التي لن تعود

*

أشعر بالطمأنينة الان رغم حرقة الحزن ومرارة الدمعة التي لا تنقطع

اشعر بالطمأنينة
لانني استودعتك بين يدي سيد الرسل محمد صلوات الله عليه وعلى آل بيته الاطهار و الشفيع المشفع فهو الولى برحمتك
الم يقل ذات يوم لأجدادي الأوس , أنصاره :
اللهم ارحم الأنصار , وأبناء الأنصار , وأبناء أبناء الأنصار
وهو الصادق في وعده المصدق في دعائه

اشعر بالطمأنينة الان
لانني استودعتك رحمة يعسوب الدين وامام المتقين وقائد الغر المحجلين ابي الأئمة المعصومين علي بن ابي طالب عليه السلام , فانت من شيعته المؤمنين الصادقين الذين بايعوه الى الولاية
فصدقوه البيعة والولاء
أشعر بالطمأنينة لانني استودعتك عند سيدة نساء العالمين في الأولين والآخرين , فاطمة الزهراء التي تغضي لجلال مرورها عيون أهل الأرض والسماء
لانك لم تحبي ابناءك بقدر ما أحببت ابناءها
ولم تتفجعي لمصاب قدر فجيعتك بمصابها
ولم ترفعي دعاء الا بجاهها عند ربها
وان اسمها المقدس لم تنقطع حروفه من لسانك يوما وانك كنتِ تناجينها في السر والعلن كما لم تناجي أحدا من أهلك وابنائك , وانها كانت بركة كل يوم لك في الدنيا وكل رزق انعم الله به عليك وعلى زوجك وابنائك .

*

لا تقلقي يا أم روحي على مجلسك في كل محرم وعاشوراء
فسوف يبقى مقاما على اسمك وببركة دعائك
سوف تنتظرك بناتك كل يوم الأول من محرم كي تبكوا معا سيد شباب اهل الجنة
وتعزون عقيلة الهواشم السيدة زينب الكبرى بمصابها في أخيها
فالعهد بيننا وبينهم ان لا تنقطع دمعتنا عنهم ولا ينطفئ لنا حزن في الموت كما في الحياة

*

ساسمي عام غيابك هذا عام الحزن , عام الدمع , عام الفجيعة , عام موت القلب
ولن تعود الحياة بعده كما كانت قبله
سوف يصبح عام الحزن هذا خط الانكسار الفاصل
بين الدنيا قبل رحيلك والدنيا بعده
وسأؤرخ الأشياء منذ الآن هكذا :
هذا حصل قبل عام الحزن
وهذا حصل بعد عام الحزن
سأطبع تقويما جديدا لسنوات قلبي التالية بأسماء وملامح أحداث كنتِ فيها ذات يوم
فهذا يوم ضحكت
وذلك يوم غضبت
وهذا يوم خرجت الى الزيارة
وذلك يوم مسحت على راسي وقبلتني
وهذا وذاك وهذا
وذاك يوم مرضت ,,,,,,,,,,,,
ثم هذا يوم ماتت !!!!!!
………………………………
……………………………………….

اجل ماتت أمي
ماتت
وسأحمل منذ الان جبل يتمي عنها على كتفي ولن اسال احد عونا عليه
فيتمي عن مثلها و وحزني المفجوع لاجلها
نور اعبر فيه سراط القيامة
وكاس اشرب به من حوض الكوثر
وشفاعة ابرزها امام الله كي ادخل الجنة بلا حساب
الم يقولوا ان الجنة تحت أقدام الأمهات
اشهد والله انني رايتها شممت عطرها تحت قدميك سيدتي مرات ومرات

*

استدراكات

قيل لي ان الأمهات النائمات في جنة دار السلام يستيقظن قبل شهقة الضوء
فجر كل يوم ليؤتين فناء قبورهن ويحضرن الشاي وصحن القيمر الحلي لتفطر زائرتهن الجديدة
ام سعد المكللة بنور طيبتها وطهر وشاح الغفران الذي كللتها به الملائكة
وانهن يرجونها ان تتلو عليهن بعضا من دعاء كميل لانه يصبح اقرب الى الله بصوتها الشجي المجروح .
وحين اتصلت قبل أيام بالذي يرعى قبرها في النجف الاشرف لأوصيه ان يرفق بالتراب الذي ضمها ويسقيه بالماء والآس والحناء كل خميس
قال لي باكيا : ماذا ينفع الآس والحناء في تراب تفوح منه رائحة الجنة وتنام عنده العصافير كل ليلة آمنة مأمونة

*

منذ ان رحلت لم يزر طيفها منامي ابدا
ربما لانني لم اتعود النوم في غيابها بعد
لكنهم أخبروني انها تزورهم كل يوم على عجالة لتقول لهم :
قلبي على سعد , لا تتركوه وحيدا في حزنه
أخاف عليه , وتوجعني دمعته .
يا الله ,,, حتى بعد الموت مازلت اقلقك عليَ يا ام سعد !!!؟؟؟
متى سترتاحين يا ام روحي
متى ستنامين مطمئنة يا حبَة قلبي ونور عينيَ
لقد اتعبتك كثيرا وآن الأوان لكي تنامي مرتاحة البال
حلِقي بجناحي قداستك نحو الجنة
ثم نامي هناك
نامي يا أم سعد
نامي يا حبيبتي
نامي هادئة البال قريرة العين
ولا تنشغلي بنا بعد الآن
لن نفعل شيئا يهمك او يقلقك علينا
لن نفعل شيئا سوى ان ننتظر طارق الرحلة الأخيرة ليجمعنا بك من جديد
فلم يعد في الدنيا متسع للحب والحياة بدونك
ولم يعد في الخاطر أملا بفرح لا تراه عيناك
واذا لم تفلح الحياة ان تجمعنا طويلا
فليفلح الموت يا امي…….!!

اترك تعليق 0 تعليقات