قصة النشيد الوطني المفقود

لؤي حقي

نشر اخي الدكتور عامر الحديثي هذا اليوم النشيد الذي كتبته عام 1989 كي يصبح النشيد الوطني للعراق، ووضع لحنه الموسيقار الكبير جعفر الخفاف ، ثم حدثت حرب الكويت وماتلاها من تداعيات فتأجل الامر وانطوى.
وفي نهاية التسعينات عاد الحديث لضرورة كتابة نشيد وطني جديد نظرا لان نشيد المرحوم شفيق الكمالي كان فيه خطأ شعري صغير في البيت الثاني لم ينتبه اليه حينها فدعانا الرئيس صدام حسين انا وبعض زملائي الشعراء لكتابة نشيد وطني جديد ، فكتبت نصّين ، احدهما على البحر المتقارب والآخر على بحر الرمل، وكلا البحرين من البحور المناسبة للالحان والموسيقى ، لكن الموسيقار العبقري جعفر الخفاف لم يكن في العراق حيث غادر الى مغتربه في دولة الامارات العربية المتحدة ، وكنت لا ارضى بان يلحن النشيدين سواه لانني مؤمن بابداعه واعده واحدا من اهم المواهب اللحنية العظيمة التي لم يحسن العراق الاهتمام بها ولا عرف قيمتها.
ولم يكن هنالك انترنت في ذلك الوقت ، ولا واتس اب ولافايبر ولا اي من طرق التواصل السريعة هذه ، فلم استطع الوصول الى الاستاذ الخفاف ، فاتصلت بالملحن العذب الاخ العزيز ضياء الدين الذي وضع لحنا للكلام واسمعني اياه فلم اقتنع به ولم يقتنع به هو ايضا ، لانه (كما قال حينها )يتماهى مع الاغاني العاطفية الرومانسية بالكلام الشعبي اكثر من نشيد بلغة فصيحة قوية يقتضي استعمال ايقاع المارش كي يتناسب مع نشيد وطني يعزف في المناسبات البروتوكولية او ينشد في ساحات المدارس والملاعب .
زارني بعد ذلك الفنان الكبير حسن الشكرچي حين سمع انتي ابحث عن ملحن للنشيد، وطلب متفضلا تلحينه فاعطيته اياه ، الا انه لم يستطع تلحينه هو الآخر او ربما شغلته امور الدنيا عنه. ثم اقترح الاستاذ لطيف نصيف جاسم (فك الله اسره) ان يُرسل النشيد الى الملحن اللبناني الشهير الياس رحباني لتلحينه ، فوافقت على الرغم من يقيني الراسخ ان هذا النشيد لن يستطيع تلحينه سوى جعفر الخفاف الذي لم افلح بالتواصل معه.
وصلني لحن الياس رحباني بعد شهر لكنني لم احبه ابدا، فقد وجدته لايشبه العراق ابدا ولا يتحسس وجع اهله، فلم اوافق على اللحن مع احترامي وتقديري واعجابي بفن ومكانة الاستاذ الياس رحباني الذي اتحف المكتبة السمعية العربية بروائع خالدة.
ظل النشيد ينتظر جعفر الخفاف الذي انتقل هذه المرة من الامارات الى السويد فزادت صعوبة الوصول اليه اكثر واكثر .
ثم حدث العدوان الامريكي على العراق واحتلاله في 9 نيسان 2003 .
اعتقلني الامريكان ، وبعد خروجي من المعتقل الذي لم اقض فيه سوى شهر ونصف فقط قررت الخروج من العراق بنصيحة من اصدقاء عديدين شعروا انني موضوع في اوائل قائمة الخطر ، وان اغتيالي قاب قوسين او ادنى، خاصة بعد تشكل بعض الميليشيات وتدفق كثير من اعضائها الى العراق من ايران.
لم يرض اي احد من اقاربي او اصدقائي او معارفي ان يبقى ليعيش في بيتي مخافة ان يسرق حين طلبت منهم ذلك ، وقد عذرتهم وتفهمت اسبابهم ، ثم تطوع شاب صديق كان يعيش هو وزوجته وطفلته في دار صغيرة مستأجرة قريبة من بيتي، ان يسكن هو في الدار متحملا الخطر مادام ذلك سيرحمه من الايجار الذي يثقله كل شهر، اقول تطوع لان الجميع كان يقول ان التقرب من بيتي بحد ذاته مخاطرة كبيرة لتوقعهم انه قد يتعرض لهجوم من احدى الميليشيات او ربما مداهمة الامريكان في اية لحظة .
لكن الشاب الذي تطوع وسكن البيت خاف من المكتبة وكتبها واوراقها الكثيرة حين رآها لاول مرة، وخمّن انها قد تكون مثقلة (ببلاوي) كثيرة قد تجلب له المتاعب و(المشاكل) ، فقرر في لحظة ان يحرق المكتبة بكتبها واوراقها ووثائقها ، لكنه عدل بعد ذلك عن حرق الكتب ربما لضخامة عددها وصعوبة حرقها في ذلك الظرف الحرج ، فقرر ان يكتفي بحرق الاوراق والوثائق فقط !!!!!
وهكذا فعل بالضبط ،
فاحترقت جميع كتاباتي وقصائدي واوراقي وذكرياتي ، وكان بضمنها النشيدين المشار اليهما ونشيد آخر كان عما يحدث في فلسطين عنوانه (الارض دم) .
ولان ذاكرتي تهرّأت وانمحت من فرط الحزن والذهول لفجيعة احتلال العراق ثم سنوات الغربة المرّة، فلم اعد اتذكر من احدهما سوى 7 ابيات ومن الآخر سوى مقطعين، اما نشيد (الارض دم) فقد فوجئت قبل شهور بان (احدهم) قد سطا عليه وسرق مطلعه ، لانه سبق ان سمعه مني، ولكن يبدو انه لم يفلح في حفظ الا مطلعه فاستعاره !!!، وانا اتنازل له عنه حلالاً زلالاً. ومازلت حتى الان ابحث عن تتمة النشيدين الضائعين.
(فاتني ان اذكر ان للمخرج التلفزيوني المبدع نبيل ابراهيم فضل كبير في تلحين (عراق من النور) لانه اول من سمعه مني فاخذه بنفسه الى جعفر الخفاف. وانه جرى تسجيل النشيد ثلاث مرات ، مرة بصوت الفنان الراحل رياض احمد ومرةً بصوت الفنان الجميل احمد نعمة والاخيرة التي اصررت انا عليها بصوت جعفر الخفاف ، وهي التي اخترتها للتسجيل التلفزيوني والبث)..

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *